محمد علي الحسن
105
المنار في علوم القرآن
قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [ الحج : 11 ] يعني أنهم عبدوه على وجه الشك لا على اليقين والتسليم لأمره ، قال مجاهد : على شك ، وهذا علامة على القلق وعدم الثبات كضعف القائم على حرف مضطرب فيه ، يكاد يسقط عنه . وقال الحافظ أبو عمرو الداني إن من معاني الأحرف : اللغات ، يعني أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات ، وقيل : اللغات يعني اللهجات . وعلى هذا فالحرف لغة : ( يعني الطرف ، وأحد حروف التهجي ، والوجه واللغة واللهجة ) . أما كلمة السبعة ، فكما سبق أن قلنا : إن المراد منها حقيقة العدد المحصور بين الستة والثمانية وليس المراد منها المعنى المجازي . المعنى الاصطلاحي للأحرف السبعة : على الرغم من كثرة الأقوال التي تحدد المعنى الاصطلاحي للأحرف السبعة ، إلّا أنه يمكن رد كثير منها وفق قاعدة متفق عليها « أن كل قول لا يستند إلى أثر ثابت هو مردود أيضا » مثل قول ابن مسعود المنسوب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقائل : ( كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد ، وعلى حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف ، زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ومتشابه وأمثال » « 1 » . فهذا القول لم يصح ، فقد أخرجه الحاكم والبيهقي ، وليس سنده يصح ، ولو صح السند لكان حاسما للنزاع ، على أنه قد روي عن ابن مسعود قول خلاف ذلك كما قال الطبري . أو مثل القول : « محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص » . كل هذه الأقوال وأمثالها قد ضربنا عنها صفحا ولم نتكلف الرد عليها لعدم استنادها إلى الدليل . وبعد : فنبدأ برأي الطبري الذي استهل به تفسيره الشهير ، وقد أطال كثيرا في تحديد المعنى لها وقد وافقه الطحاوي ، واستفتح به القرطبي سائر الأقوال - وإن لم يوافقه .
--> ( 1 ) جامع البيان 1 / 23 ، قال السيوطي : حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم والبيهقي ، الإتقان 1 / 48 .